محمد متولي الشعراوي

2907

تفسير الشعراوى

وهذا يختلف عن القول : تعاون مع فلان ، أي أن تتشاركا معا في المعاونة . ومسائل الحياة أكثر من أن تستوعبها موهبة واحدة . فأنت حين تبنى بيتا تحتاج إلى من يحفر الأساس ويبنى الجدران . ومن يصنع الطوب ومن يصنع الأسمنت ومن يصنع الحديد ، ولا يستطيع إنسان واحد أن يتعلم كل هذه الحرف ليبنى بيتا ، لكن التعاون خصص لكل إنسان عملا يقوم به ، فهناك متخصص في كل جزئية يحتاج إليها الإنسان في حياكة الملابس ، والطب ، والصيدلة وغيرها من أوجه احتياجات الحياة ، والحق يأمر : « وَتَعاوَنُوا » ليسير دولاب الحياة ويستفيد الإنسان من كل المواهب لقاء إخلاصه في أداء عمله ، و « تعاونوا » هي أن تأتى بشئ فيه تفاعل ما ، ومعنى الشئ الذي فيه تفاعل أنه يوجد « معين » و « معان » . ولكن المعين لا يظل دائما معينا ، بل سينقلب في يوم ما إلى أن يكون معانا ، والمعان لا يظل معانا ، بل سيأتي وقت يصير فيه معينا ، وهذا هو التفاعل الذي تحتاج إليه أقضية الحياة التي شاءها اللّه للإنسان الخليفة في الأرض والمطالب أن يعبد اللّه الذي لا شريك له ، وأن يعمر هذه الأرض . ولا تتأتى عمارة الأرض إلا بالحركة فيها ، والحركة في الأرض أوسع من أن تتحملها الطاقة النفسية لفرد واحد ، بل لا بد أن تتكاتف الطاقات كلها لإنشاء هذه العمارة . إننا حين نبنى عمارة واحدة نستخدم أجهزة كثيرة لطاقات كثيرة بداية من المهندس الذي يرفع مساحة القطعة من الأرض ويرسمها ، وإن شاء الترقي في صنعته يصنع نموذجا مجسدا لما يرغب في بنائه ، وبعد ذلك يأتي الحافر ليحفر في الأرض ، ثم من يضع الأساس ، ومن يضع الحديد . ومن يصنع « الخرسانة » المسلحة . ثم يأتي من يرفع البناء ، ومن يقوم بالأعمال الصحية من توصيلات للمياه والمجارى ، ثم يأتي من يصمم التوصيلات الكهربائية ، وهكذا تتعاون طاقات كثيرة لبناء واحد ، ولا تتحمله طاقة إنسان واحد . إذن فالتعاون أمر ضروري للاستخلاف في الحياة . وما دام الاستخلاف في الحياة يقتضى من الإنسان عمارة هذه الحياة ، وعمارة الحياة تقتضى ألا نفسد الشئ الصالح بل نزيده صلاحا ، وحين يقول الحق : « وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى